iraqism
23/01/08, 08 :55 08:55:41 PM
جريدة الصباح: الاقتصادية: موازنة 2008 بين النظرية و التطبيق
د. ماجد الصوري
فلسفة الموازنة ان فلسفة الموازنة قد اكدت على مواضيع اساسية، قد تكون صحيحة في اتجاهاتها العامة، واعتبرتها مفاهيم جديدة، بعد انتقادها للموازنات السابقة . واكدت الموازنة على انها اعتمدت على وجود ستراتيجية وطنية للأعوام 2007-2010 وضعتها وزارة التخطيط، والالتزامات الدولية التي وقعها العراق مع صندوق النقد الدولي، ووثيقة العهد الدولي مع العراق، وهي ملزمة للجميع وتمثل ستراتيجية عمل الحكومة .ان وضع ستراتيجية للتنمية الوطنية لا شك يمثل انجازا مهما حيث تم اقرارها من قبل اللجنة الاقتصادية العليا ومجلس الوزراء الا انها في كل الاحوال، وعلى وضعها الحالي، لاتمثل سياسة اقتصادية لكل القطاعات الاقتصادية للبلد وفق اهداف وجداول زمنية .
ورغم ان الستراتيجية قد وضعت الاحتياجات المالية، وبشكل خاص في مجال النفط والغاز والكهرباء والزراعة والنقل والاتصالات والمواصلات , الا انه حتى الان لم يتم الالتزام بها .اضافة الى ذلك فانها وضعت اطرا اجملتها في نفقات عامة دون وجود تفاصيل للمشاريع المنوي اقامتها . وكان لابد ان تقوم الوزارات والمؤسسات المعنية بتفصيلها الى برامج سنوية ومشاريع لها دراسات جدوى لبدائل يجري اختيار الافضل منها على اساس دراسات الجدوى المعدة مسبقا , ويتم تنفيذها وفق جدول زمني من حيث الانفاق والانجاز واليات واجراءات، من اجل تسهيل عملية مراقبة التنفيذ لقياس الاداء وتحديد النتائج. وقد وضعت الستراتيجية على اساس الاحتياجات المالية في المجالات المختلفة، من اجل الوصول الى الاهداف المنشودة , الا انها لم تأخذ بنظر الاعتبار الامكانيات المالية والمادية والبشرية المتوفرة في العراق , ولا سبل توفيرها ان تطلب الامر ذلك . ولذلك فهي تعبر عن رغبة في الوصول الى الاهداف المنشودة دون الاخذ بنظر الاعتبار امكانية تحقيق ذلك حسب الموارد المالية والموارد الاخرى المتوفرة والاليات واجراءات تحقيقها، وهذا هو الفرق بين الستراتيجية والسياسة.
اما الالتزام بالاتفاقات والعهود الدولية فانه لايشكل الا اطارا عاما للتوجه الاقتصادي الكلي باتباع اقتصاد السوق كمنهج اقتصادي، وتشجيع القطاع الخاص، واعادة هيكلة مؤسسات الدولة وقوانينها بما ينسجم وهذا المنهج , وعدم التوسع في الانفاق الحكومي غير الاستثماري، اضافة الى ضرورة تخفيف الدعم للسلع والخدمات التي تقدمها الحكومة على اساس تحقيق التوزيع العادل للثروة الوطنية، ومكافحة البطالة، ورفع المستوى المعيشي لمجموع الشعب العراقي . اضافة الى ذلك تطوير الجهاز المصرفي الى مستوى الصناعة المصرفية العالمية لتكون عونا للدولة في تفعيل النشاط الاقتصادي لا سيما القطاع الخاص .
لقد انتقدت موازنة 2008 الموازنات السابقة الا ان التساؤل هنا يفرض نفسه عن الاسباب التي ادت الى هذه الانتقادات , فهل هناك تغير جذري في تركيبة الدخل الوطني، او في تركيبة ايرادات الدولة، او سياسة الانفاق، اوفي الضغوط الانفاقية التي تواجهها الدولة، الطارئة وغيرها .
الإيرادات لا زالت الايرادات من انتاج وتصدير النفط الخام هي الاساس في تكوين ايرادات الدولة، حيث بلغت حسب تقديرات الموازنة 42,4 ترليون دينار، وتشكل 83,6 بالمائة من اجمالي العائدات . ان الانخفاض في نسبة حصة النفط من الايرادات العامة في الموازنة، يعود الى توقع حصول اربعة الاف وخمسمائة مليار دينار عن استخدام اجواء العراق .
ان سياسة الايرادات لازالت تؤكد على ان الموازنة تعتمد وستبقى تعتمد على ايرادات النفط الخام المصدر.
واذا ما اخذنا بنظر الاعتبار عملية توزيع واعادة توزيع الدخل فمن الممكن القول ان كل ايرادات الموازنة تعتمد على ايرادات النفط، ماعدا مبلغ 4,5 ترليون دينار الناجمة عن رسم استخدام الفضاء الجوي وفي مجال زيادة اسهام البنود الاخرى في تحقيق الايرادات فأن الموازنة تكرر ما جاء في الموازنات السابقة ، حيث تؤكد ضرورة فرض ضرائب غير مباشرة مثل الضريبة العامة على المبيعات، الا ان العائق في ذلك هو عدم انجاز القوانين الخاصة بها ( تشريعها ) (وتنفيذها )، مع العلم ان الضرائب الجمركية ( رسم اعادة الاعمار ) هو ضريبة غير مباشرة , قد تم اقرار زيادتها في العام 2005 الى 10% بدلا من 5% ،الا انه حتى الان لم يطبق. ولا زالت الموازنة تؤكد، بالنسبة للضرائب المباشرة، على ضرورة تحسين اداء الادارة الضريبية ونشر الوعي الضريبي طوال فترة وضع الموازنات الجديدة . ولا زالت الموازنة , كما هو الحال في الموازنات التي سبقتها تؤكد ضرورة تنفيذ مشروع الضريبة على خدمة الهاتف النقال , والتي لم توضح مفهومها والياتها حتى الان . لقد بلغت الموارد المالية غبر النفطية 8,333 ترليون دينار، حسب الفرق بين المبلغ الاجمالي المذكور والموارد النفطية منها رسوم اعادة الاعمار 403,8 مليار دينار بزيادة 9.4% عن العام 2007 , والارباح السنوية من نشاط الهيئات والشركات العامة 1570,1 مليار دينار بزيادة 36,1 % واجور الخدمات العامة البالغة 52 مليار (نفس مبلغ عام 2007 ) والضرائب على الدخل ودخل الفوائد التي بلغت 1021 مليار دينار، والضرائب والرسوم الاخرى التي بلغت 5285,9 مليار دينار، بزيادة 1140,8 % عن العام 2007 ، وذلك بسبب زيادة رسم استخدام الفضاء الجوي الذي ارتفع من صفر الى 4500 مليار دينار , وهو المبلغ الذي ادى الى انخفاض نسبة الموارد النفطية في الموازنة . ان المشكلة الاساسية التي يمكن التنويه عنها هو السؤال بشأن ما تم تحقيقه من الموازنات السابقة , واذا ما كانت ارقام 2007 غير منجزة حتى الان , فعلى الاقل الارقام الفعلية لعام 2006 ونصف سنة 2007 .
لقد تداول الاعلام عن وجود فوائض كبيرة في الموازنات السابقة ناجمة عن ضعف تنفيذ بعض ابواب النفقات في الموازنة , بلغ المتراكم منها حوالي 35 مليار دولار حتى اواسط العام 2007 . ومن غير الواضح اعداد موازنة بعجز يبلغ 7336 مليار دينار مع وجود هذا الفائض، ولماذا لاتستخدم هذه الفوائض او جزء منها لتطوير القطاعات الانتاجية . وهل الفوائض ناجمة عن عدم تنفيذ البرامج الاستثمارية فقط ام انه ناجم عن زيادة العوائد النفطية . ان اخذ الاحتياط في احتساب ايرادات النفط يمثل سياسة احترازية مهمة الا انه لا يجوز المغالاة في ذلك، اذ انه من غير المفهوم احتساب سعر برميل النفط الخام ب 57 دولاراً، في الوقت الذي تؤكد فيه جميع التوقعات بزيادة السعر العالمي الى اكثر من 100 دولار للبرميل في العام 2008 (السعر الحالي في السوق العالمية 95- 96 دولاراً للبرميل وذلك لسببين اساسيين هما زيادة الطلب المستمر على هذه المادة والانخفاض المستمر لسعر صرف الدولار مقابل العملات الاخرى . كما انه لا يمكن فهم هذا التقدير الاحترازي المغالى فيه، في الوقت الذي يتم احتساب الكمية المصدرة على اساس 1,7 مليون برميل يوميا، مع العلم ان الموازنة تذكر بأنه لايمكن الوصول الى هذه الطاقة التصديرية الا في نهاية العام 2008 ، وبعد انجاز خطوات معينة تتعلق بالاستثمار والانجاز .
ان الناطق الرسمي باسم وزارة النفط قد صرح بأن صادرات النفط في شهر تشرين الثاني من العام 2007 قد بلغت 58,9 مليون برميل، اي بواقع 1,963 مليون برميل يوم، وبسعر 83,87 دولاراً للبرميل الواحد . وقد اكد الناطق الرسمي ايضا، ان الوزارة ستقوم بنشر المعلومات بشأن حجم الانتاج والصادرات والاسعار في كل شهر ,وهو اجراء اذا ما تم انجازه فانه يعبر عن شفافية ومصداقية في عمل وزارة النفط يجب تقديرها واحترامها. والسؤال الذي يطرح نفسه، الى اين ستذهب هذه الاموال التي تزيد عن تقديرات الموازنة فيما اذا تجاوزت العجز المخطط لها . عند مراجعة ايرادات موازنة 2006 و2007 و2008 لا نجد فيها اي رقم عن القروض والمنح التي تسلمتها الدولة خلال تلك الاعوام سواء من الدول المانحة او من المؤسسات الدولية , الا ان وسائل الاعلام اعلنت ان العراق قام بتسديد قرض البنك الدولي البالغ حوالي نصف مليار دولار قبل وقت استحقاقه. واذا ما كنا نتكلم عن الشفافية في وضع الموازنة فلماذا لايتم وضع المبالغ المستلمة كمنح او قروض في الموازنات او في الاقل في ملحق للموازنة مع تفاصيل استخدامها وفقا للأهداف من اجلها تم الحصول عليها . الاتشكل هذه القروض عند تسديدها بندا من بنود الانفاق في الموازنة .
النفقات الاستثمارية
ان تحليل باب النفقات في موازنة العام 2008 يظهر ما يلي:
ان نسبة النفقات الاستثمارية البالغة 15,860 ترليون دينار الى اجمالي النفقات البالغة 58,110 ترليون دينار , تشكل 27,3 % بينما تشغل42,250 ترليون دينار اي ما يعادل 72,7 % من اجمالي النفقات . ان استعراض النفقات على المشاريع الاسثمارية يبين ان تخصيصات قطاع النفط تبلغ 2,4 ترليون دينار , وقطاع الكهرباء 1,56 ترليون دينار، ومشاريع اقليم كردستان 3,223 ترليون دينار .و 8.677 ترليون دينار لمشاريع اعمار الاقاليم والمحافظات ومشاريع الوزارات، وان اكثر هذه المبالغ مخصصة لتطوير البنى التحتية التي تتمثل بالطرق والجسور والابنية الحكومية ومشاريع الماء والمجاري وغيرها من الخدمات العامة . ورغم اهمية هذه الخدمات للمواطن العراقي التي ينتظرها بفارغ الصبر ( ونأمل ان تكون هناك ملاحق في الموازنة تبين هذه المشاريع والمبالغ المخصصة لها واليات واجراءات تنفيذها والجدول الزمني لأنجازها) , الا انها لن تستطيع حل المشاكل الكبرى التي يعاني منها الاقتصاد العراقي وخصوصا في القطاع الانتاجي منه , وبذلك سيبقى التوجه العام للعراق هو الاعتماد على الاستيراد لتلبية احتياجاته من السلع والخدمات الاساسية . لقد اكدت الموازنة ضرورة تنمية وتفعيل دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، الا انه من الملفت للنظر ان الموازنة لم تظهر اليات هذا التفعيل ولا التخصيصات المالية اللازمة لذلك , الا عن طريق انجاز مشاريع الخدمات . ان تفعيل دور القطاع الخاص الانتاجي (الصناعي والزراعي) وخصوصا في المرحلة الانتقالية الحالية تحتاج الى دعم مالي ومادي وقانوني من قبل الدولة . وخصوصا ان القطاع الخاص الانتاجي (الصناعي والزراعي ) قد ورث كما هو الحال بالنسبة للقطاع العام وكل الاقتصاد العراقي , تخلفا كبيرا في انتاجيته وخرابا في معداته ومنشئآته , بسبب الحصار الاقتصادي والحروب، اضافة الى الاستيرادات الهائلة التي تمت لتغطية الاحتياجات السلعية التي كان يفتقد اليها العراقي , ولذلك فهو بحاجة ماسة الى تطوير نفسه وانتاجيته، عن طريق الدعم المالي الذي يمكن ان تقدمه الدولة في هذا المجال , وذلك بتخصيص مبالغ لتطويره بواسطة القروض الميسرة وطويلة الامد، والتي لايستطيع القطاع المصرفي، في حالته الحاضرة من تقديمها، .ومن المعلوم ان القطاع الخاص هو اكثر ديناميكية في حركته، ويستطيع ان يصل الى نتائج اسرع مقارنة بالقطاع العام , في توفير السلع الصناعية والزراعية اللازمة للاستهلاك المحلي وتعويض الاستيرادات . وستكون فاعليته اكثر نموا اذا ما تم اسناده ماليا وتشريعيا وخدميا . وهذا يمثل احد اهم الاهداف في ستراتيجية التنمية الوطنية، وفي الالتزامات الدولية امام صندوق النقد الدولي، ووثيقة العهد الدولي مع العراق . وفي نفس الوقت فاننا لانرى الاهتمام الكافي من قبل الموازنة لتطوير المشاريع الانتاجية الحكومية، اذ ان التخصيصات الاستثمارية لوزارة الصناعة تبلغ 400 مليار دينار أي (مايعادل 333,3 مليون دولار) . واذا ما اخذنا بنظر الاعتبار ما يتردد عن الفورة الاعمارية المنتظرة في العراق، وخصوصا في قطاع الوحدات السكنية، فأن هذه المبالغ لاتكفي لأعادة اعمار الا جزء غير كبير من المشاريع الانتاجية في الصناعة الانشائية كالسمنت والطابوق والحديد والصلب، (اذا ماكانت هذه المبالغ مخصصة لمثل هذه المشاريع)، وهذا يعني زيادة تكاليف اعادة الاعمار في العراق ، لأن ذلك يعزز الاعتماد على الاستيراد. ومن المعلوم ان تكاليف نقل هذه المواد ستكون عالية جدا قياسا الى تكاليف انتاجها، وخصوصا ان جميع موادها الاولية متوفرة في العراق، وكانت وزارة الصناعة قد اقترحت تخصيص مبلغ 750 مليار دينار للعام 2008، اي ما يعادل 625 مليون دولار , الا انها لم تحصل الا على مايعادل نصف هذا المبلغ . في الوقت الذي تمت الاستجابة لتغطية كامل المبلغ المقترح لأمانة مجلس الوزراء 170,1 مليار دينار لتغطية نفقات الموجودات غير المالية، الذي يخصص عادة وبشكل اساسي لشراء السيارات . واذا ما اردنا فعلا تفعيل القطاع الانتاجي وخصوصا الصناعات الانشائية , وزيادة حصته في تركيبة الناتج المحلي الاجمالي , فأن التخصيصات اللازمة لقطاع الصناعة (عام وخاص ) في العام 2008 لايمكن ان تقل عن مليار دولار 1,2 ترليون دينار يخصص الجزء الاكبر منه لاعادة هيكلة مشاريع انتاج المواد الانشائية , والتي تعتبر ضرورية لتغطية جزء مناسب من الحاجة المحلية لهذه المنتجات , وذلك من اجل خفض تكلفة اعادة الاعمار للبنى التحتية والحاجة الى الوحدات السكنية، وهي في الوقت نفسه ستعمل على تخفيض الجزء الاكبر من انفاق الموازنة على منتسبي هذه الشركات ( اجمالي العاملين في الهيئات والشركات العامة يبلغ (633233) منتسبا)، ونفقاتهم البالغة 1,679 ترليون دينار/ سنة، وللأسف الشديد فأن الموازنة العامة وفي جميع الموازنات السابقة تعيد الجملة نفسها ( وسيتم لاحقا تحديد مبلغ الدعم المخصص لكل من هذه الهيئات والشركات العامة لعدم توفر المعلومات الكافية حتى الان لكل شركة عامة، وستتوجه الشركات والهيئات العامة اعلاه، من خلال وزاراتها، الى وزارة المالية لطلب الدعم، وعلى اساس كل حالة على حدة.
اما النفقات الاستثمارية المخصصة لوزارة الزراعة فتبلغ 74,5 مليار دينار فقط ( ما يعادل 62,1 مليون دولار ) وهو لايكفي بالنهوض بهذا القطاع الحيوي في حياة المجتمع العراقي . ويظهر ان الاتجاه العام للحكومة هو تشجيع الاستيرادات على حساب تشجيع الانتاج المحلي، ما يشكل ثغرة كبيرة في التوجه الاقتصادي للعراق.
ان زيادة النفقات الاستثمارية على المشاريع الخدمية والانتاجية الى على الاقل 50 بالمئة من العائدات النفطية، وتخصيص المبالغ اللازمة لتفعيل القطاع الانتاجي العام والخاص، يعتبر ضرورة ملحة لحل الكثير من المشاكل التي يعاني منها الاقتصاد العراقي، بما في ذلك البطالة والامن والاستقرار، واعباء الموازنة الناجمة عن البطاقة التموينية، ودعم اسعار المشتقات النفطية، وفي الوقت نفسه ، لابد من زيادة التخصيصات اللازمة لقطاع النفط والكهرباء والماء والمواصلات والاتصالات، التي تعتبر قاعدة اساسية لزيادة الموارد، وللتنمية الاقتصادية وجذب الاستثمارات المحلية والاجنبية وفي الوقت نفسه لابد من وضع الاليات والاجراءات اللازمة والفعالة، من اجل تحقيق هذه البرامج ضمن جدول زمني مدروس . ان قانون الاستثمار وتأسيس الهيئة الوطنية للاستثمار، وهيئات المحافظات والاقاليم، قد صدر في شهر تشرين الاول من عام 2006، وللأسف الشديد فأننا لم نر،لا في موازنة 2007، ولا في موازنة 2008، اي ذكر لهذه الهيئة، او دورها في التنمية الاقتصادية، ولا للنفقات المخصصة لها، او الهيئات الأستثمارية التابعة للأقاليم والمحافظات.
النفقات التشغيلية (الجارية)
تشكل النفقات التشغيلية 72,7% من اجمالي نفقات الموازنة بزيادة 8,2 % عن مخصصات عام 2007، ان الزيادة الفعلية لحجم الانفاق التشغيلي مقيمة بالدولار، قد ارتفعت بنسبة 13,6 % . مع العلم ان هذه النفقات يتم انفاقها بالكامل، حتى اذا كانت بعض المخصصات لم تنفق في البداية، فعادة ما يتم انفاقها، وبأي حال، في الأشهر الأخيرة من السنة، من اجل الحفاظ، على الاقل، على نفس مستوى هذه التخصيصات في السنوات القادمة او طلب الزيادة عليها . حجم التخصيصات التشغيلية المقترحة البالغة 70,8 ترليون دينار ما تم الاتفاق عليه هو 42,3 ترليون دينار ما يشكل 59,7 % من المبالغ المقترحة , وفي الوقت نفسه ثم الأتفاق على تلبية 47,7 % من النفقات الاستثمارية المقترحة , ما يمثل اصرارا مسبقا على زيادة النفقات الجارية على حساب النفقات الاستثمارية ولا يتماشى مع مبدأ ضغط النفقات . ان تحليل النفقات التشغيلية يظهر ان كل فرد من موظفي رئاسة الجمهورية البالغ عددهم 676 شخصا يكلف الموازنة من الانفاق الجاري حوالي 190 مليون دينار سنويا، او 15,8 مليون دينار شهريا , وامانة مجلس الوزراء البالغ عددهم 2123 شخصا حوالي 149 مليون دينار سنويا (12,4مليون دينار شهريا ) , اما مجلس النواب البالغ عدد موظفيه 493 شخصا فيبلغ 263 مليون دينار سنويا وحوالي 22 مليون دينار شهريا، وفي وزارة الخارجية البالغ عددهم 2076 شخصا فيبلغ 144 مليون دينار سنويا (12مليون دينار شهريا ) . بينما لا يكلف الموظف في وزارة الثقافة البالغ عددهم 4300 موظفاً الا 16,4 مليون دينار سنويا (1.37 مليون دينار شهريا)، ووزارة الزراعة البالغ عددم 11593منتسبا الا 7,317 مليون دينار سنويا (610 الف دينار شهريا ) . وفي نفس الوقت فأن تكلفة الموظف في وزارة النفط البالغ عددهم 970 منتسبا من النفقات الجارية 128,3 مليون دينار سنويا (10.69 مليون دينار شهريا ) ووزارة الصناعة البالغ عددهم 742 منتسبا يبلغ 37,2 مليون دينار سنويا (3,1 مليون دينار شهريا)، اما وزارة التعليم العالي والبحث العلمي البالغ عدد منتسبيها 63528 شخصا فيبلغ 14 مليون دينار سنوياً(1,170 مليون دينار شهريا) ان تكلفة الشخص الواحد لاتعني معدل الراتب الذي يستلمه الموظف وانما اجمالي النفقات التشغيلية , عدا النفقات الاستثمارية.
تعويضات الموظفين
لقد بلغت تخصيصات تعويضات الموظفين في موازنة 2008 ما يعادل 16,3 ترليون دينار منها حوالي 12 ترليون كرواتب واجور ومخصصات و4,3 ترليون دينار رواتب ومكافأت تقاعدية.
ان الرقم الحقيقي لتعويضات الموظفين لابد ان يشمل تخصيصات الاعانات المقدمة لموظفي الشركات العامة، عدا الكهرباء والزراعة , البالغة حوالي 1,7 ترليون دينار، وبدلات المسرحين من الخدمة العسكرية والبالغة 253,3 مليار دينار . وبذلك فان الرقم الفعلي لتعويضات الموظفين يبلغ حوالي 18,3 ترليون دينار، وهذا يشكل 43,21 % من اجمالي النفقات التشغيلية او 31,4 % من اجمال نفقات الموازنة .
وفي الوقت نفسه فأن اجمالي عدد الموظفين يبلغ 2141432 منتسبا منه 493831 منتسبا في اقليم كردستان ويشكل ما نسبته 23,1 % . واذا ما اضيف عدد العاملين في الشركات العامة البالغ عددهم 633233منتسبا، والذين يتلقون الدعم، وعدد المتقاعدين الذين يبلغ، حسب المسموعات، حوالي 1,5 مليون منتسب ,فأن عدد الذين تتولى الدولة منح تعويضات لهم يبلغ حوالي 4,3 ملايين شخص . هذا عدا تخصيصات شبكة الحماية الاجتماعية . واذا ما ابعدنا عدد العاملين في كل من وزارة الداخلية والدفاع فأن العدد المتبقي سيكون 3547102 منتسب، مع المتقاعدين، وهو رقم ضخم جدا لبلد تبلغ نفوسه بين 23 -30 مليون نسمة منهم حوالي 4 ملايين نسمة يعيشون خارج العراق .
الموجودات غير المالية
حسب الموازنة فأن تعبير الموجودات غير المالية تمثل شراء المواد الرأسمالية المعتادة والضرورية لسير عمل وزارة او ادارة , فالاتفاق المخصص لشراء مركبات جديدة مثلا يدرج تحت هذا البند . وقد بلغ حجم التخصيصات في هذا البند نحو 2,977 ترليون دينار , وبلغت تخصيصات عام 2007 المنقحة 2,296 ترليون دينار، بينما كانت المبالغ المصادق عليها 1,681 ترليون دينار , اي بزيادة 615 مليار دينار، يعادل 36,6 % بين المنقح والمصادق عليه . ان حجم المبالغ المخصصة في هذا البند من موازنة عام 2008 لمجلس الوزراء يبلغ 239,3 مليار دينار، منها 170,1مليار دينار لأمانة مجلس الوزراء وحده، والمخصصة لدوائر وزارة المالية 92,227 مليار دينار ,ولمجلس النواب 18,870 مليار دينار، ولرئاسة الجمهورية 4,5 مليار دينار، وبذلك يبلغ الاجمالي المخصص لهذه المؤسسات وحدها حوالي 354,9 مليار دينار، حوالي 48% منها مخصص لامانة مجلس الوزراء وحدها، واذا ما استبعدنا الارقام المخصصة لوزارة الدفاع والداخلية والصحة والتربية والتعليم العالي واقليم كردستان ، فان المبلغ المتبقي لهذه الخدمات يبلغ 474,896 مليار دينار، تستحوذ المؤسسات المذكورة اعلاه على حوالي 75% منه. ان ما تم انفاقه على هذا البند خلال السنوات السابقة وتخصيصات 2008 قد فاق المعقول، وان المبالغ التي تم انفاقها في هذا المجال كان من الممكن ان يوجه القسم الاعظم منها الى نفقات استثمارية فعلية للقطاع الانتاجي لحل المشاكل الاساسية التي يواجهها المجتمع العراقي والاقتصاد العراقي , بدلا من بناء سور يشبه سور الصين من الألواح السمنتية والسيارات المصفحة يقف عليها عدد كبير من الحراس الامنيين لحماية المسؤولين، يمارس الارهاب على الشعب العراقي بأطلاق اصوات الأبواق المزعجة وبعض الأحيان اطلاق الرصاص.
الديون الخارجية
لقد ورث العراق ديوناً متراكمة عن النظام السابق وجرى تخفيض 80% من قسم منها . وماا زالت هذه الديون تشكل عبئا على العراق مهما بلغت قيمتها بعد التخفيض , الا اننا لانرى في الموازنة أية احتياطيات مأخوذة بنظر الاعتبار لتسديد هذه الديون عند استحقاقها ولا جدولة استحقاقها، ولم تذكر الموازنة اي تقييم لهذه المديونية او ارقام تدل عليها.
د. ماجد الصوري
فلسفة الموازنة ان فلسفة الموازنة قد اكدت على مواضيع اساسية، قد تكون صحيحة في اتجاهاتها العامة، واعتبرتها مفاهيم جديدة، بعد انتقادها للموازنات السابقة . واكدت الموازنة على انها اعتمدت على وجود ستراتيجية وطنية للأعوام 2007-2010 وضعتها وزارة التخطيط، والالتزامات الدولية التي وقعها العراق مع صندوق النقد الدولي، ووثيقة العهد الدولي مع العراق، وهي ملزمة للجميع وتمثل ستراتيجية عمل الحكومة .ان وضع ستراتيجية للتنمية الوطنية لا شك يمثل انجازا مهما حيث تم اقرارها من قبل اللجنة الاقتصادية العليا ومجلس الوزراء الا انها في كل الاحوال، وعلى وضعها الحالي، لاتمثل سياسة اقتصادية لكل القطاعات الاقتصادية للبلد وفق اهداف وجداول زمنية .
ورغم ان الستراتيجية قد وضعت الاحتياجات المالية، وبشكل خاص في مجال النفط والغاز والكهرباء والزراعة والنقل والاتصالات والمواصلات , الا انه حتى الان لم يتم الالتزام بها .اضافة الى ذلك فانها وضعت اطرا اجملتها في نفقات عامة دون وجود تفاصيل للمشاريع المنوي اقامتها . وكان لابد ان تقوم الوزارات والمؤسسات المعنية بتفصيلها الى برامج سنوية ومشاريع لها دراسات جدوى لبدائل يجري اختيار الافضل منها على اساس دراسات الجدوى المعدة مسبقا , ويتم تنفيذها وفق جدول زمني من حيث الانفاق والانجاز واليات واجراءات، من اجل تسهيل عملية مراقبة التنفيذ لقياس الاداء وتحديد النتائج. وقد وضعت الستراتيجية على اساس الاحتياجات المالية في المجالات المختلفة، من اجل الوصول الى الاهداف المنشودة , الا انها لم تأخذ بنظر الاعتبار الامكانيات المالية والمادية والبشرية المتوفرة في العراق , ولا سبل توفيرها ان تطلب الامر ذلك . ولذلك فهي تعبر عن رغبة في الوصول الى الاهداف المنشودة دون الاخذ بنظر الاعتبار امكانية تحقيق ذلك حسب الموارد المالية والموارد الاخرى المتوفرة والاليات واجراءات تحقيقها، وهذا هو الفرق بين الستراتيجية والسياسة.
اما الالتزام بالاتفاقات والعهود الدولية فانه لايشكل الا اطارا عاما للتوجه الاقتصادي الكلي باتباع اقتصاد السوق كمنهج اقتصادي، وتشجيع القطاع الخاص، واعادة هيكلة مؤسسات الدولة وقوانينها بما ينسجم وهذا المنهج , وعدم التوسع في الانفاق الحكومي غير الاستثماري، اضافة الى ضرورة تخفيف الدعم للسلع والخدمات التي تقدمها الحكومة على اساس تحقيق التوزيع العادل للثروة الوطنية، ومكافحة البطالة، ورفع المستوى المعيشي لمجموع الشعب العراقي . اضافة الى ذلك تطوير الجهاز المصرفي الى مستوى الصناعة المصرفية العالمية لتكون عونا للدولة في تفعيل النشاط الاقتصادي لا سيما القطاع الخاص .
لقد انتقدت موازنة 2008 الموازنات السابقة الا ان التساؤل هنا يفرض نفسه عن الاسباب التي ادت الى هذه الانتقادات , فهل هناك تغير جذري في تركيبة الدخل الوطني، او في تركيبة ايرادات الدولة، او سياسة الانفاق، اوفي الضغوط الانفاقية التي تواجهها الدولة، الطارئة وغيرها .
الإيرادات لا زالت الايرادات من انتاج وتصدير النفط الخام هي الاساس في تكوين ايرادات الدولة، حيث بلغت حسب تقديرات الموازنة 42,4 ترليون دينار، وتشكل 83,6 بالمائة من اجمالي العائدات . ان الانخفاض في نسبة حصة النفط من الايرادات العامة في الموازنة، يعود الى توقع حصول اربعة الاف وخمسمائة مليار دينار عن استخدام اجواء العراق .
ان سياسة الايرادات لازالت تؤكد على ان الموازنة تعتمد وستبقى تعتمد على ايرادات النفط الخام المصدر.
واذا ما اخذنا بنظر الاعتبار عملية توزيع واعادة توزيع الدخل فمن الممكن القول ان كل ايرادات الموازنة تعتمد على ايرادات النفط، ماعدا مبلغ 4,5 ترليون دينار الناجمة عن رسم استخدام الفضاء الجوي وفي مجال زيادة اسهام البنود الاخرى في تحقيق الايرادات فأن الموازنة تكرر ما جاء في الموازنات السابقة ، حيث تؤكد ضرورة فرض ضرائب غير مباشرة مثل الضريبة العامة على المبيعات، الا ان العائق في ذلك هو عدم انجاز القوانين الخاصة بها ( تشريعها ) (وتنفيذها )، مع العلم ان الضرائب الجمركية ( رسم اعادة الاعمار ) هو ضريبة غير مباشرة , قد تم اقرار زيادتها في العام 2005 الى 10% بدلا من 5% ،الا انه حتى الان لم يطبق. ولا زالت الموازنة تؤكد، بالنسبة للضرائب المباشرة، على ضرورة تحسين اداء الادارة الضريبية ونشر الوعي الضريبي طوال فترة وضع الموازنات الجديدة . ولا زالت الموازنة , كما هو الحال في الموازنات التي سبقتها تؤكد ضرورة تنفيذ مشروع الضريبة على خدمة الهاتف النقال , والتي لم توضح مفهومها والياتها حتى الان . لقد بلغت الموارد المالية غبر النفطية 8,333 ترليون دينار، حسب الفرق بين المبلغ الاجمالي المذكور والموارد النفطية منها رسوم اعادة الاعمار 403,8 مليار دينار بزيادة 9.4% عن العام 2007 , والارباح السنوية من نشاط الهيئات والشركات العامة 1570,1 مليار دينار بزيادة 36,1 % واجور الخدمات العامة البالغة 52 مليار (نفس مبلغ عام 2007 ) والضرائب على الدخل ودخل الفوائد التي بلغت 1021 مليار دينار، والضرائب والرسوم الاخرى التي بلغت 5285,9 مليار دينار، بزيادة 1140,8 % عن العام 2007 ، وذلك بسبب زيادة رسم استخدام الفضاء الجوي الذي ارتفع من صفر الى 4500 مليار دينار , وهو المبلغ الذي ادى الى انخفاض نسبة الموارد النفطية في الموازنة . ان المشكلة الاساسية التي يمكن التنويه عنها هو السؤال بشأن ما تم تحقيقه من الموازنات السابقة , واذا ما كانت ارقام 2007 غير منجزة حتى الان , فعلى الاقل الارقام الفعلية لعام 2006 ونصف سنة 2007 .
لقد تداول الاعلام عن وجود فوائض كبيرة في الموازنات السابقة ناجمة عن ضعف تنفيذ بعض ابواب النفقات في الموازنة , بلغ المتراكم منها حوالي 35 مليار دولار حتى اواسط العام 2007 . ومن غير الواضح اعداد موازنة بعجز يبلغ 7336 مليار دينار مع وجود هذا الفائض، ولماذا لاتستخدم هذه الفوائض او جزء منها لتطوير القطاعات الانتاجية . وهل الفوائض ناجمة عن عدم تنفيذ البرامج الاستثمارية فقط ام انه ناجم عن زيادة العوائد النفطية . ان اخذ الاحتياط في احتساب ايرادات النفط يمثل سياسة احترازية مهمة الا انه لا يجوز المغالاة في ذلك، اذ انه من غير المفهوم احتساب سعر برميل النفط الخام ب 57 دولاراً، في الوقت الذي تؤكد فيه جميع التوقعات بزيادة السعر العالمي الى اكثر من 100 دولار للبرميل في العام 2008 (السعر الحالي في السوق العالمية 95- 96 دولاراً للبرميل وذلك لسببين اساسيين هما زيادة الطلب المستمر على هذه المادة والانخفاض المستمر لسعر صرف الدولار مقابل العملات الاخرى . كما انه لا يمكن فهم هذا التقدير الاحترازي المغالى فيه، في الوقت الذي يتم احتساب الكمية المصدرة على اساس 1,7 مليون برميل يوميا، مع العلم ان الموازنة تذكر بأنه لايمكن الوصول الى هذه الطاقة التصديرية الا في نهاية العام 2008 ، وبعد انجاز خطوات معينة تتعلق بالاستثمار والانجاز .
ان الناطق الرسمي باسم وزارة النفط قد صرح بأن صادرات النفط في شهر تشرين الثاني من العام 2007 قد بلغت 58,9 مليون برميل، اي بواقع 1,963 مليون برميل يوم، وبسعر 83,87 دولاراً للبرميل الواحد . وقد اكد الناطق الرسمي ايضا، ان الوزارة ستقوم بنشر المعلومات بشأن حجم الانتاج والصادرات والاسعار في كل شهر ,وهو اجراء اذا ما تم انجازه فانه يعبر عن شفافية ومصداقية في عمل وزارة النفط يجب تقديرها واحترامها. والسؤال الذي يطرح نفسه، الى اين ستذهب هذه الاموال التي تزيد عن تقديرات الموازنة فيما اذا تجاوزت العجز المخطط لها . عند مراجعة ايرادات موازنة 2006 و2007 و2008 لا نجد فيها اي رقم عن القروض والمنح التي تسلمتها الدولة خلال تلك الاعوام سواء من الدول المانحة او من المؤسسات الدولية , الا ان وسائل الاعلام اعلنت ان العراق قام بتسديد قرض البنك الدولي البالغ حوالي نصف مليار دولار قبل وقت استحقاقه. واذا ما كنا نتكلم عن الشفافية في وضع الموازنة فلماذا لايتم وضع المبالغ المستلمة كمنح او قروض في الموازنات او في الاقل في ملحق للموازنة مع تفاصيل استخدامها وفقا للأهداف من اجلها تم الحصول عليها . الاتشكل هذه القروض عند تسديدها بندا من بنود الانفاق في الموازنة .
النفقات الاستثمارية
ان تحليل باب النفقات في موازنة العام 2008 يظهر ما يلي:
ان نسبة النفقات الاستثمارية البالغة 15,860 ترليون دينار الى اجمالي النفقات البالغة 58,110 ترليون دينار , تشكل 27,3 % بينما تشغل42,250 ترليون دينار اي ما يعادل 72,7 % من اجمالي النفقات . ان استعراض النفقات على المشاريع الاسثمارية يبين ان تخصيصات قطاع النفط تبلغ 2,4 ترليون دينار , وقطاع الكهرباء 1,56 ترليون دينار، ومشاريع اقليم كردستان 3,223 ترليون دينار .و 8.677 ترليون دينار لمشاريع اعمار الاقاليم والمحافظات ومشاريع الوزارات، وان اكثر هذه المبالغ مخصصة لتطوير البنى التحتية التي تتمثل بالطرق والجسور والابنية الحكومية ومشاريع الماء والمجاري وغيرها من الخدمات العامة . ورغم اهمية هذه الخدمات للمواطن العراقي التي ينتظرها بفارغ الصبر ( ونأمل ان تكون هناك ملاحق في الموازنة تبين هذه المشاريع والمبالغ المخصصة لها واليات واجراءات تنفيذها والجدول الزمني لأنجازها) , الا انها لن تستطيع حل المشاكل الكبرى التي يعاني منها الاقتصاد العراقي وخصوصا في القطاع الانتاجي منه , وبذلك سيبقى التوجه العام للعراق هو الاعتماد على الاستيراد لتلبية احتياجاته من السلع والخدمات الاساسية . لقد اكدت الموازنة ضرورة تنمية وتفعيل دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، الا انه من الملفت للنظر ان الموازنة لم تظهر اليات هذا التفعيل ولا التخصيصات المالية اللازمة لذلك , الا عن طريق انجاز مشاريع الخدمات . ان تفعيل دور القطاع الخاص الانتاجي (الصناعي والزراعي) وخصوصا في المرحلة الانتقالية الحالية تحتاج الى دعم مالي ومادي وقانوني من قبل الدولة . وخصوصا ان القطاع الخاص الانتاجي (الصناعي والزراعي ) قد ورث كما هو الحال بالنسبة للقطاع العام وكل الاقتصاد العراقي , تخلفا كبيرا في انتاجيته وخرابا في معداته ومنشئآته , بسبب الحصار الاقتصادي والحروب، اضافة الى الاستيرادات الهائلة التي تمت لتغطية الاحتياجات السلعية التي كان يفتقد اليها العراقي , ولذلك فهو بحاجة ماسة الى تطوير نفسه وانتاجيته، عن طريق الدعم المالي الذي يمكن ان تقدمه الدولة في هذا المجال , وذلك بتخصيص مبالغ لتطويره بواسطة القروض الميسرة وطويلة الامد، والتي لايستطيع القطاع المصرفي، في حالته الحاضرة من تقديمها، .ومن المعلوم ان القطاع الخاص هو اكثر ديناميكية في حركته، ويستطيع ان يصل الى نتائج اسرع مقارنة بالقطاع العام , في توفير السلع الصناعية والزراعية اللازمة للاستهلاك المحلي وتعويض الاستيرادات . وستكون فاعليته اكثر نموا اذا ما تم اسناده ماليا وتشريعيا وخدميا . وهذا يمثل احد اهم الاهداف في ستراتيجية التنمية الوطنية، وفي الالتزامات الدولية امام صندوق النقد الدولي، ووثيقة العهد الدولي مع العراق . وفي نفس الوقت فاننا لانرى الاهتمام الكافي من قبل الموازنة لتطوير المشاريع الانتاجية الحكومية، اذ ان التخصيصات الاستثمارية لوزارة الصناعة تبلغ 400 مليار دينار أي (مايعادل 333,3 مليون دولار) . واذا ما اخذنا بنظر الاعتبار ما يتردد عن الفورة الاعمارية المنتظرة في العراق، وخصوصا في قطاع الوحدات السكنية، فأن هذه المبالغ لاتكفي لأعادة اعمار الا جزء غير كبير من المشاريع الانتاجية في الصناعة الانشائية كالسمنت والطابوق والحديد والصلب، (اذا ماكانت هذه المبالغ مخصصة لمثل هذه المشاريع)، وهذا يعني زيادة تكاليف اعادة الاعمار في العراق ، لأن ذلك يعزز الاعتماد على الاستيراد. ومن المعلوم ان تكاليف نقل هذه المواد ستكون عالية جدا قياسا الى تكاليف انتاجها، وخصوصا ان جميع موادها الاولية متوفرة في العراق، وكانت وزارة الصناعة قد اقترحت تخصيص مبلغ 750 مليار دينار للعام 2008، اي ما يعادل 625 مليون دولار , الا انها لم تحصل الا على مايعادل نصف هذا المبلغ . في الوقت الذي تمت الاستجابة لتغطية كامل المبلغ المقترح لأمانة مجلس الوزراء 170,1 مليار دينار لتغطية نفقات الموجودات غير المالية، الذي يخصص عادة وبشكل اساسي لشراء السيارات . واذا ما اردنا فعلا تفعيل القطاع الانتاجي وخصوصا الصناعات الانشائية , وزيادة حصته في تركيبة الناتج المحلي الاجمالي , فأن التخصيصات اللازمة لقطاع الصناعة (عام وخاص ) في العام 2008 لايمكن ان تقل عن مليار دولار 1,2 ترليون دينار يخصص الجزء الاكبر منه لاعادة هيكلة مشاريع انتاج المواد الانشائية , والتي تعتبر ضرورية لتغطية جزء مناسب من الحاجة المحلية لهذه المنتجات , وذلك من اجل خفض تكلفة اعادة الاعمار للبنى التحتية والحاجة الى الوحدات السكنية، وهي في الوقت نفسه ستعمل على تخفيض الجزء الاكبر من انفاق الموازنة على منتسبي هذه الشركات ( اجمالي العاملين في الهيئات والشركات العامة يبلغ (633233) منتسبا)، ونفقاتهم البالغة 1,679 ترليون دينار/ سنة، وللأسف الشديد فأن الموازنة العامة وفي جميع الموازنات السابقة تعيد الجملة نفسها ( وسيتم لاحقا تحديد مبلغ الدعم المخصص لكل من هذه الهيئات والشركات العامة لعدم توفر المعلومات الكافية حتى الان لكل شركة عامة، وستتوجه الشركات والهيئات العامة اعلاه، من خلال وزاراتها، الى وزارة المالية لطلب الدعم، وعلى اساس كل حالة على حدة.
اما النفقات الاستثمارية المخصصة لوزارة الزراعة فتبلغ 74,5 مليار دينار فقط ( ما يعادل 62,1 مليون دولار ) وهو لايكفي بالنهوض بهذا القطاع الحيوي في حياة المجتمع العراقي . ويظهر ان الاتجاه العام للحكومة هو تشجيع الاستيرادات على حساب تشجيع الانتاج المحلي، ما يشكل ثغرة كبيرة في التوجه الاقتصادي للعراق.
ان زيادة النفقات الاستثمارية على المشاريع الخدمية والانتاجية الى على الاقل 50 بالمئة من العائدات النفطية، وتخصيص المبالغ اللازمة لتفعيل القطاع الانتاجي العام والخاص، يعتبر ضرورة ملحة لحل الكثير من المشاكل التي يعاني منها الاقتصاد العراقي، بما في ذلك البطالة والامن والاستقرار، واعباء الموازنة الناجمة عن البطاقة التموينية، ودعم اسعار المشتقات النفطية، وفي الوقت نفسه ، لابد من زيادة التخصيصات اللازمة لقطاع النفط والكهرباء والماء والمواصلات والاتصالات، التي تعتبر قاعدة اساسية لزيادة الموارد، وللتنمية الاقتصادية وجذب الاستثمارات المحلية والاجنبية وفي الوقت نفسه لابد من وضع الاليات والاجراءات اللازمة والفعالة، من اجل تحقيق هذه البرامج ضمن جدول زمني مدروس . ان قانون الاستثمار وتأسيس الهيئة الوطنية للاستثمار، وهيئات المحافظات والاقاليم، قد صدر في شهر تشرين الاول من عام 2006، وللأسف الشديد فأننا لم نر،لا في موازنة 2007، ولا في موازنة 2008، اي ذكر لهذه الهيئة، او دورها في التنمية الاقتصادية، ولا للنفقات المخصصة لها، او الهيئات الأستثمارية التابعة للأقاليم والمحافظات.
النفقات التشغيلية (الجارية)
تشكل النفقات التشغيلية 72,7% من اجمالي نفقات الموازنة بزيادة 8,2 % عن مخصصات عام 2007، ان الزيادة الفعلية لحجم الانفاق التشغيلي مقيمة بالدولار، قد ارتفعت بنسبة 13,6 % . مع العلم ان هذه النفقات يتم انفاقها بالكامل، حتى اذا كانت بعض المخصصات لم تنفق في البداية، فعادة ما يتم انفاقها، وبأي حال، في الأشهر الأخيرة من السنة، من اجل الحفاظ، على الاقل، على نفس مستوى هذه التخصيصات في السنوات القادمة او طلب الزيادة عليها . حجم التخصيصات التشغيلية المقترحة البالغة 70,8 ترليون دينار ما تم الاتفاق عليه هو 42,3 ترليون دينار ما يشكل 59,7 % من المبالغ المقترحة , وفي الوقت نفسه ثم الأتفاق على تلبية 47,7 % من النفقات الاستثمارية المقترحة , ما يمثل اصرارا مسبقا على زيادة النفقات الجارية على حساب النفقات الاستثمارية ولا يتماشى مع مبدأ ضغط النفقات . ان تحليل النفقات التشغيلية يظهر ان كل فرد من موظفي رئاسة الجمهورية البالغ عددهم 676 شخصا يكلف الموازنة من الانفاق الجاري حوالي 190 مليون دينار سنويا، او 15,8 مليون دينار شهريا , وامانة مجلس الوزراء البالغ عددهم 2123 شخصا حوالي 149 مليون دينار سنويا (12,4مليون دينار شهريا ) , اما مجلس النواب البالغ عدد موظفيه 493 شخصا فيبلغ 263 مليون دينار سنويا وحوالي 22 مليون دينار شهريا، وفي وزارة الخارجية البالغ عددهم 2076 شخصا فيبلغ 144 مليون دينار سنويا (12مليون دينار شهريا ) . بينما لا يكلف الموظف في وزارة الثقافة البالغ عددهم 4300 موظفاً الا 16,4 مليون دينار سنويا (1.37 مليون دينار شهريا)، ووزارة الزراعة البالغ عددم 11593منتسبا الا 7,317 مليون دينار سنويا (610 الف دينار شهريا ) . وفي نفس الوقت فأن تكلفة الموظف في وزارة النفط البالغ عددهم 970 منتسبا من النفقات الجارية 128,3 مليون دينار سنويا (10.69 مليون دينار شهريا ) ووزارة الصناعة البالغ عددهم 742 منتسبا يبلغ 37,2 مليون دينار سنويا (3,1 مليون دينار شهريا)، اما وزارة التعليم العالي والبحث العلمي البالغ عدد منتسبيها 63528 شخصا فيبلغ 14 مليون دينار سنوياً(1,170 مليون دينار شهريا) ان تكلفة الشخص الواحد لاتعني معدل الراتب الذي يستلمه الموظف وانما اجمالي النفقات التشغيلية , عدا النفقات الاستثمارية.
تعويضات الموظفين
لقد بلغت تخصيصات تعويضات الموظفين في موازنة 2008 ما يعادل 16,3 ترليون دينار منها حوالي 12 ترليون كرواتب واجور ومخصصات و4,3 ترليون دينار رواتب ومكافأت تقاعدية.
ان الرقم الحقيقي لتعويضات الموظفين لابد ان يشمل تخصيصات الاعانات المقدمة لموظفي الشركات العامة، عدا الكهرباء والزراعة , البالغة حوالي 1,7 ترليون دينار، وبدلات المسرحين من الخدمة العسكرية والبالغة 253,3 مليار دينار . وبذلك فان الرقم الفعلي لتعويضات الموظفين يبلغ حوالي 18,3 ترليون دينار، وهذا يشكل 43,21 % من اجمالي النفقات التشغيلية او 31,4 % من اجمال نفقات الموازنة .
وفي الوقت نفسه فأن اجمالي عدد الموظفين يبلغ 2141432 منتسبا منه 493831 منتسبا في اقليم كردستان ويشكل ما نسبته 23,1 % . واذا ما اضيف عدد العاملين في الشركات العامة البالغ عددهم 633233منتسبا، والذين يتلقون الدعم، وعدد المتقاعدين الذين يبلغ، حسب المسموعات، حوالي 1,5 مليون منتسب ,فأن عدد الذين تتولى الدولة منح تعويضات لهم يبلغ حوالي 4,3 ملايين شخص . هذا عدا تخصيصات شبكة الحماية الاجتماعية . واذا ما ابعدنا عدد العاملين في كل من وزارة الداخلية والدفاع فأن العدد المتبقي سيكون 3547102 منتسب، مع المتقاعدين، وهو رقم ضخم جدا لبلد تبلغ نفوسه بين 23 -30 مليون نسمة منهم حوالي 4 ملايين نسمة يعيشون خارج العراق .
الموجودات غير المالية
حسب الموازنة فأن تعبير الموجودات غير المالية تمثل شراء المواد الرأسمالية المعتادة والضرورية لسير عمل وزارة او ادارة , فالاتفاق المخصص لشراء مركبات جديدة مثلا يدرج تحت هذا البند . وقد بلغ حجم التخصيصات في هذا البند نحو 2,977 ترليون دينار , وبلغت تخصيصات عام 2007 المنقحة 2,296 ترليون دينار، بينما كانت المبالغ المصادق عليها 1,681 ترليون دينار , اي بزيادة 615 مليار دينار، يعادل 36,6 % بين المنقح والمصادق عليه . ان حجم المبالغ المخصصة في هذا البند من موازنة عام 2008 لمجلس الوزراء يبلغ 239,3 مليار دينار، منها 170,1مليار دينار لأمانة مجلس الوزراء وحده، والمخصصة لدوائر وزارة المالية 92,227 مليار دينار ,ولمجلس النواب 18,870 مليار دينار، ولرئاسة الجمهورية 4,5 مليار دينار، وبذلك يبلغ الاجمالي المخصص لهذه المؤسسات وحدها حوالي 354,9 مليار دينار، حوالي 48% منها مخصص لامانة مجلس الوزراء وحدها، واذا ما استبعدنا الارقام المخصصة لوزارة الدفاع والداخلية والصحة والتربية والتعليم العالي واقليم كردستان ، فان المبلغ المتبقي لهذه الخدمات يبلغ 474,896 مليار دينار، تستحوذ المؤسسات المذكورة اعلاه على حوالي 75% منه. ان ما تم انفاقه على هذا البند خلال السنوات السابقة وتخصيصات 2008 قد فاق المعقول، وان المبالغ التي تم انفاقها في هذا المجال كان من الممكن ان يوجه القسم الاعظم منها الى نفقات استثمارية فعلية للقطاع الانتاجي لحل المشاكل الاساسية التي يواجهها المجتمع العراقي والاقتصاد العراقي , بدلا من بناء سور يشبه سور الصين من الألواح السمنتية والسيارات المصفحة يقف عليها عدد كبير من الحراس الامنيين لحماية المسؤولين، يمارس الارهاب على الشعب العراقي بأطلاق اصوات الأبواق المزعجة وبعض الأحيان اطلاق الرصاص.
الديون الخارجية
لقد ورث العراق ديوناً متراكمة عن النظام السابق وجرى تخفيض 80% من قسم منها . وماا زالت هذه الديون تشكل عبئا على العراق مهما بلغت قيمتها بعد التخفيض , الا اننا لانرى في الموازنة أية احتياطيات مأخوذة بنظر الاعتبار لتسديد هذه الديون عند استحقاقها ولا جدولة استحقاقها، ولم تذكر الموازنة اي تقييم لهذه المديونية او ارقام تدل عليها.