المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : هل يحقق العراق معجرة اليابان الاقتصادية؟


iraqism
13/12/06, 11 :34 11:34:28 PM
هل يحقق العراق معجرة اليابان الاقتصادية؟
المصدر: المدى
06 / 12 / 06

بعد انتهائي من قراءة كتاب: السياسة المقارنة في وقتنا الحاضر-نظرة عالمية- لجابريل ان جي وبنجهام باديل حيث المتابعة الميدانية لما رسمه ونفذه الحلفاء وامريكا لكل من اليابان والعراق خلال حقبة ما يقرب الاربع سنوات من الاحتلال والمساحة الكبيرة .. من القاسم المشترك بين السياسة التي طبقت في كلا البلدين باستثناء ظلال الامن القاتمة في العراق ارتسم أمامي سؤال كبير هو موضوع هذه المقالة.
ان مساحة اليابان اصغر من مساحة واحدة من الولايات المتحدة الامريكية (مونتانا) وفي عام 1990 كان يعيش عليها 124 مليون نسمة، وهي سادس دولة من ناحية عدد السكان بعد الصين والهند وامريكا وأندنوسيا والبرازيل، تمكنت بعدد سكان يقارب نصف سكان امريكا ان تقيم ثاني اكبر اقتصاد في العالم، وبحساب المقاييس الاقتصادية، فان حجم اليابان هائل.

كانت اليابان مجتمعا اقطاعيا، يعمل 80% من سكانه في الزراعة وقد انهى عهد النهضة النظام الاقطاعي فيها، وبدأت حقبة من التطور السريع استمرت 70 عاما حولت البلد من مجتمع زراعي واقطاعي الى قوة اقتصادية رئيسة وقوة عسكرية في اواخر الثلاثينيات. وبعد سياستها العسكرية والتوسعية في الثلاثينيات وهزيمتها في الحرب العالمية الثانية، نهضت الامة من تحت الرماد فظهرت في العام 1990 كقوة اقتصادية متقدمة، باقتصاد يكاد يعادل في حجمه اقتصاد كل من بريطانيا، وفرنسا والمانيا مجتمعة، وبتجاوزها اقتصاد إحدى الدولتين العظميين آنذاك الاتحاد السوفييتي قبل انهياره فقد نما الاقتصاد الياباني الى ما يوازي 2/1 اقتصاد الولايات المتحدة.
وضع الاحتلال الامريكي لليابان التغييرات البنيوية (وهي الاصلاحات الاقتصادية، السياسية والاجتماعية) بهدف القضاء على أي تهديد ياباني مستقبلي وذلك، بمهاجمة الجذور الاجتماعية، والسياسية للتعصيب القومي والنزعة العسكرية التي ولدت السياسات التوسعية العدوانية في ثلاثينيات القرن الماضي وذلك بضرورة انجاز هدفين رئيسيين بعد انتهاء الحرب الاولى نزع شامل للسلاح الياباني والثاني اقامة المؤسسات الديمقراطية، ولتحقيق الهدف الاول جردت اليابان من ممتلكاتها ما وراء البحار واعيد 6 مليون جندي ومدني ياباني من خارج اليابان، جرد جميع العسكريين من اسلحتهم ورتبهم وتم تسريحهم والغيت الخدمة العسكرية ودمرت الصناعة العسكرية او تحويلها الى الخط المدني، وفي اثناء تحقيق الهدف الثاني من الديمقراطية واقامة المؤسسات التعددية وتغيير النظام تم الابقاء على المؤسسات الامبراطورية مع تأهيل اجتماعي واسع النطاق في الميدان التعليمي، والثقافي مثل حذف تاليه الامبراطور والتغيير في القيم والتوجهات السياسية الجديدة.
وفي عام 1960 وضع المحافظون كامل قواهم نحو سياسة التنمية الاقتصادية ومضاعفة الدخل القوي وذلك بتطبيق شعار (تحقيق رقمين زيادة في التنمية سنويا) وهكذا تضاعف الانتاج كل 7 سنوات طوال الفترة من اوائل الستينيات حتى اواخرها وهذا التحول النوعي ادى الى تضاؤل الاهتمام بالقضايا السياسية متوجها نحو الاقتصاد الوطني وهبوط نسبة السكان الزراعيين من 50% من القوى العاملة الى 10% من عام 1980.
ومنذ بداية السبعينيات بدأت اعانات واجراءات حماية المزارعين وصغار تجار التجزئة، وغيرهم من اصحاب المصالح الخاصة الصغيرة التي تمنعهم ظروفهم من العمل بسبب المرض او العوق، الا ان تزايد كلفة دعم هذه القطاعات الاقل كفاءة في الاقتصاد الياباني، وصعوبة الاستمرار بهذا الدعم، والالتفات الى قضايا اخرى مهمة مثل مكافحة التلوث الذي فرضته التنمية الجديدة، وتحقيق مستوى من الرخاء الاقتصادي، حملت المحافظين على رفع شعار- التنمية مهما كان الثمن- في مواجهة القلق حول مسائل مثل التلوث وتدمير البيئة.
ومع بداية ازمة الطاقة والمقاطعة النفطية في عام 1973 المعروفة، حل عام من التنمية الاقتصادية السلبية الحق اضراراً بالغة بالاقتصاد، وانفلات التضخم في عام 1974 ودخلت اليابان من مرحلة طويلة من التنمية البطيئة، حلت محل معدلات التنمية المتواضعة والتي لم تزد على اكثر من 3 الى 5% من معدلات التنمية وتراوحت ما بين 10% الى 11% خلال فترة الستينيات، واحدثت هذه التطورات تغيرا في الاهتمام والنقاش السياسي من نقاش حول نوعية الحياة السياسية الى قضايا التنمية وادارة الاقتصاد.
واتبعت الحكومة في السبعينيات، سياسة الحكومة الرخيصة (cheap government) ومعناها ان تعتمد الحكومة في سياستها الاقتصادية ادنى معدل للضرائب، ففي عام 1965 بلغ مجموع الضراب عددا (مساهمات الضمان الاجتماعي) 18% من اجمالي الناتج المحلي وهذا ما يتعارض مع سياسة امريكا في الشأن حين بلغت 27% وكذلك فرنسا 35%.
ادى اتباع سياسة الحكومة الرخيصة الى تشجيع الادخار والاستثمار بواسطة خفض النفقات العامة التي تشمل نفقات البرامج الخاصة بالضمان الاجتماعي وشبكات الحماية ونفقات الامن والدفاع وعن طريق تخصيص اموال من الدخل القومي وتخصيصها الى النفقات العامة، وكذلك قدمت الحكومة بعض الاعفاءات الضريبية على ودائع الادخار ما ادى الى زيادة الادخار والاستثمار الى 38% من الناتج القومي المحلي سنويا، بينما تراوحت الارقام الاوروبية للدول الصناعية بين 16% في امريكا و26% في فرنسا.
وبمواصلة سياسة الحكومة الرخصية لمواجهة مشكلات الركود البنيوي والتلوث ونقص المساكن في المدن وعدم كفاية رأس المال الاجتماعي، ازدادت الموازنة بنسبة 34 ضعفا من عام 1955 الى عام 1978 فقد ازدادت نفقات الضمان والرفاه الاجتماعي بحوالي 70 ضعفا من الفترة نفسها، كما تضاعفت حصة برامج الضمان والرفاه من مجموع هذه الميزانية وتضاعفت معدلات الضمان والرفاه الى اجمالي الناتج القومي ليصل الى حوالي 13% من عام 1978 ونتيجة لذلك وصل مجموع الضرائب من الضمان في اواخر السبعينيات الى 24% من اجمالي الناتج القومي وهي ايضا اقل من امريكا 34% والمانيا 38%، 40% فرنسا أي واصلت اتباع سياسة الحكومة الرخيصة بالمقارنة مع الدول الاخرى الا ان الفجوة بين برامج اليابان الاجتماعية وبرامج الدول الصناعية الاخرى بدأت تتلاشى بسرعة.

سياسة التنمية العالمية:
سعت اليابان بعد الحرب الى تنشيط التنمية الاقتصادية باستخدام اليات مختلفة وقد وضعت وكالة التخطيط خمس خطط بين 955-967 (فترة اعظم تنمية) وتواصل التخطيط الاقتصادي في اليابان، مثله مثل التخطيط الاستراتيجي الذي يشمل جميع قطاعات الحكومة ونشاطات القطاع الخاص.
ففي القطاع الصناعي: استخدمت الحكومة ترشيدا محددا للصناعة وللخطط التطويرية وسياسات التجارة الخارجية المتعلقة بها وفي حشد البرامج الخاصة ترشيدا محددا للصناعة وللخطط التطويرية وسياسات التجارة الخارجية البتروكيمياويات والالكترونيات ووضعت كل من وزارتي التجارة والصناعة حواجز واجراءات محددة بقصد حماية انتاجها الوطني:
1-دعم قدرتها على المنافسة في السوق الدولي.
2-منح قروض من الحكومة خارج الموازنة العامة.
3-دعم صناعة الطاقة الكهربائية وبناء السفن والفحم والحديد وصناعة الصلب.
4-رفع نسب الاستهلاك المختسبة على المعدات المشتراة.
5-تخصيص البلاد.
6-سمحت بالرقابة على المواد الخام واستيراد التكنولوجيا.

الاثار السلبية للتنمية:
تم اخذ دور الحكومة في تطوير الصناعة والقطاع الصناعي بالانحسار التدريجي في بداية الخمسينيات وقل دعم البضائع البصرية وصناعة الالكترونيات ذات الطابع الاستهلاكي وانشغلت بمشكلات هزيمة البلاد في الحرب ودراسة الشروط المطلوبة، فوقعت اتفاقيات دفع تعويضات مع بلدان جنوب شرق اسيا التي كانت قد غزتها اليابان ثم بدأت التطورات الايجابية اذ اصبحت اليابان عضوا في الامم المتحدة عام 1956 ثم عضواً غير دائم في مجلس الامن عام 1958 ثم عضو الجات) منظمة التعرفة والتجارة الدولية) في الخمسينيات. وعلى صعيد داخلي جددت ميزانية التسليح بحدود 1% من اجمالي الناتج المحلي- وتم تحديد الجيش بحدود 300 الف جندي فقط.

وهكذا فقد كان الاقتصاد الياباني مدمرا بسبب الحرب. ويعتمد على مصادر اجنبية في الحصول على المواد الخام اكثر من اية دولة من الدول الصناعية الاخرى. وبرغم ذلك حققت اليابان أعلى معدلات التنمية في الدول الصناعية فاصبح الناتج الاجمالي 39 مليار دولار عام 1960 ثم ارتفع الى 2.3 تريليون دولار عام 1987 (24 ضعفا) ثم الى اكثر من 3 ترلوين دولار عام 1990.
وتطور دخل الفرد في اجمالي الناتج الى 188 دولار أي 8% من معدل دخل الفرد الامريكي و1/2 معدل دخل الفرد في المانيا الغربية وفي عام 1975 الى حوالي ثلثي دخل الفرد الامريكي وفي عام 1897 بلغ اعلى من مستويات معدل الدخل في كل من امريكا والمانيا.

التغيرات البنيوية:
كما حصلت بعض التغيرات في البنية الاقتصادية/الاجتماعية في اليابان مثل: زيادة سكان المناطق المدنية الرئيسة، بسبب الهجرة الى المدن الكبرى ما ادى الى انخفاض العاملين في قطاع الزراعة.
زيادة معدل دخل الاسرة اليابانية حتى السبعينيات، كما ازدهرت اسر المزارعين بفضل دعم الاسعار بناء على معدلات مساواة الدخول، واصبح مزيد من الناس من ذوي الدخول المتدنية افضل حالا حتى اصبحت اليابان في السبعينيات من اكثر الدول مساواة من حيث توزيع الدخل وما زال ساريا حتى اليوم، برغم ان تضخم اسعار الاراضي قد حول عددا قليلا من الاشخاص الى اصحاب مليارات ورفع مستوى ازدهار الريف فوق مستوى ازدهار المدن.

فوائد البحبوحة والتنمية:
وبدأت تجتاح البلاد ما سمي بالطفرات في شراء السيارات الجديدة والمنازل والاجهزة المختلفة والادوات نتيجة زيادة الدخل والقوة الشرائية حتى فاقت في ذلك امريكا، واوروبا في انتشار استعمال وتداول الالكترونيات المنزلية، اكثر من أي دولة في العالم، وخلافا لمعظم التصورات عن اليابان في انها اعتمدت في نجاحها الاقتصادي على الصادرات بشكل اساسي، فان حقبة التنمية العالمية، كانت في الواقع نتيجة حراك الطلب الداخلي وهذا ما يمكن تطبيقه في العراق من زيادة قدرة المواطن على الاستهلاك من الانتاج المحلي.
وانعكست البحبوحة على الثقافة والتعليم والسكن، في عدد ومستوى الصحف والمجلات، وزيادة الطلاب في المدارس والمعاهد والكليات، حتى اصبحت الثالثة في هذا المجال، بعد كندا والولايات المتحدة في نسبة الحاصلين على الشهادة الجامعية، وعلى الرعاية الصحية، وزيادة المرافق الصحية، وتشخيص الامراض وعلاجها، وادت تدفئة المنازل وتحسين احول المعيشة، وارتفاع مستوى التغذية العامة الى ارتفاع معدل عمر الياباني عموما فقد ارتفع متوسط العمر الى 64 سنة للذكور والى 68 سنة للاناث في عام 1950 والى معدل 76 سنة للذكور، 81 سنة للاناث في عام 1998 ما ادى الى ظاهرة ارتفاع عدد المسنين في المجتمع.

النفايات:
تعد اليابان من البلدان المتخلفة في مرافق التخلص من المياه العادمة اذ ان 27% من المنازل في اليابان فقط ترتبط بشبكات الصرف الصحي، ويعاني المجتمع الياباني قلة عدد ومساحة الحدائق اذ تشير الارقام الى ان نصيب الفرد من مساحة الحدائق 1.6 مربع لكل فرد.
وقد تغيرت هذه الارقام لكن اليابان ما زالت متخلفة عن الدول الصناعية في تأمين الخدمات الضرورية والبنية التحتية الاجتماعية، اذ تراجعت المساحة المتاحة لطرق السيارات بسبب الاقبال على اقتناء السيارات، وادى تركز معظم السكان والمراكز الصناعية على 20% فقط من الارض وزيادة معدل التركيز الصناعي الى زيادة معدل التلوث وموت الاشجار وفرار الطيور، الهواء، الماء، الضجيج، وحتى تلوث اشعة الشمس أي حجب ضوء الشمس المباشر بسبب العمارات العالية، وهي احد الامور التي لا يمكن تغييرها في اليابان، بسبب نقص المساحات التي يمكن استخدامها وتشير البيانات الى ان 2.70 مساحة المسكن الواحد لم يتطور ويفاقم هذه الازمة تضخم اسعار الاراضي والمساكن، ففي عام 1990 كان ثمن المنزل العادي يعادل 6 اضعاف دخل الموظف العادي في حين يصل المعدل في الولايات المتحدة الى ثلاثة اضعاف الدخل.

التلوث:
وجاء رد الفعل نتيجة التنمية العالية/ السريعة بما تطلب توزيع القوانين مضادة للناتج السلبي للتنمية الاقتصادية/ الاجتماعية بمقدار اعلى من المعايير العالمية المتبعة. واتبع اسلوب التوسع في الاتفاق على المشاريع العامة واستخدمت هذه ايضا كمنطقة لمحاربة الركود الاقتصادي الكبير في اواسط السبعينيات، فقد تمخض عن ارتفاع اسعار النفط والمنافسة الصناعية ركودا بنيويا في مجال الحديد الصلب والسفن والبتروكيمياويات والنسيج، فاستخدمت مشاريع الاشغال العامة بالتخفيف من البطالة، والانكماش وفي السبعينيات شكل -التضخم- مشكلة اخرى لليابان مثل أي مكان اخر في العالم وادى الاهتمام بمكافحته عبر كبح جماح الاسعار الى ان تجري الحكومة تغيير في الاولويات الاقتصادية والى الاهتمام بقدر اكبر بادارة الاعمال.

العجز:
لقد تجاوز عجز الميزانية اليابانية من اجمالي الناتج القومي عن مثيلاتها في امريكا بما دفع الحكومة الى الاصلاح الضريبي بتشريع قانون ضريبة القيمة المضاعفة، وسبب هذا القانون مع فضيحة فساد كبرى هزيمة للحزب الليبرالي في عام 1989 والغيت هذه الضريبة وكان العجز سببا في خصخصة نظام سكك الحديد الوطنية الذي تديره الدولة والهاتف والبرق والخطوط الجوية الوطنية واحتكار الدولة للتبغ والملح وقد انجزت الخصخصة في اواسط الثمانينيات وسط جدال ومعارضة النقابات وموظفي الدولة والاحزاب الحليفة لها.
وفي التجارة الخارجية واصلت تجارة اليابان الخارجية ازدهارها خلال فترة التنمية العالية 4 مليارات دولار في عام 1955 الى 452 مليار دولار عام 1988 وحصتها من تجارة العالم من 35 الى 15% عام 1988 وساهمت باشباع الخيارات الغذائية الجديدة للشعب واستيراد المواد الخام، الى ان حصلت الخلافات حول حوافز التعرفة الكمركية، التي ما زالت من اكبر هموم السياسة للشعب الخارجية لليابان، ومن المشاكل البنيوية التي تعانيها اليابان بشدة اعتمادها على المواد الخام الاجنبية لتغذية صناعتها وهي (نقص المعادن والطاقة) حيث تستورد 99% من الحديد، 92% من النحاس، 78% الرصاص للصناعة وكذلك 99.8% من حاجتها للنفط من الخدمات المعدنية من الخارج والحفاظ على مستويات من الصادرات تكفي لتسديد قيمة هذه المستوردات الضرورية وكانت الحاجة الى المصادر والتجارة وراء تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الدول المنتجة للنفط والغاز، وسعت الى البحث عن بدائل محتملة للطاقة والاقتصاد في استهلاك معظم الدول الصناعية ومع ذلك فان اعتماد اليابان على مصادر الطاقة سيبقى ذا تأثير قوي على توجهاتها الاقتصادية ونواتج، سياستها الحكومية في المستقبل المنظور.

* الجهاز المركزي للاحصاء